ثقافة بونغ جون هو صاحب السعفة الذهبية بمهرجان كان يعيد قراءة مسألة الإغتراب
بقلم الناقد طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان
فاز اذن فيلم "بارازيت" للمخرج الكوري بونغ جون هو بالسعفة الذهبية للدورة 72 لمهرجان كان السينمائي، وأحقّت لجنة تحكيم في ذلك لمدى عمق الإقتراح الذي يقدمه الفيلم ونفترض (وهو رجاؤنا على الأقل) أنها لمست في الفيلم ما لمسناه.
لم يفت متابعي المهرجان أنّ المسألة الإجتماعية تناولتها أفلام عديدة هذه السنة، فبات عسيرا تجنبُها حتى على المخرجين غير المعنيين بها، فيجدر هنا مثلا ذكر فيلم "روبي، ضوء" لأرنو دي بلي شان وهو في المسابقة الرسمية أيضا. ولكن قلّة هم من وجدوا الصياغة المثلى لها، بل شاهدنا إعادة إنتاج الأشكال التقليدية والأمثلة عديدة أهمها كان لوتش وذلك بالرغم من براعته وقدرته على تطويع اللغة السينمائية لتبليغ رأيه.
قصّة الفيلم: عائلة معوزة متكونة من أربعة أفراد الزوج والزوجة وابن وبنت، يتحركون في فضاء ضيّق كأنما هم في زنزانة، لا يتمتعون بأدنى الحاجيات اليومية غير قادرين على توفير أسباب العيش الكريم. يتمكن الإبن بفضل صديق له من عرض مؤهلاته المزعومة لإعطاء دروس خصوصية لفتاة تنتمي إلى عائلة ميسورة جدا تسكن في نفس الحي.
يتوفق الشاب في كسب ثقة مؤجريه دون أن نتبين جيدا إن كان السبب لباقته أو غباؤهم. فيقترح عليهما تشغيل شقيقته لتأطير ابنتهما الصغيرة في الرسم مشددا على مواهب لا تكسبها أصلا دون البوح بطبيعة علاقته العائلية بها، تُنتدب الأخت وفور انتدابها تقترج أمَّها ثم ابيها كسائق بعد اقناعهما بطرد المعينة والسائق السابقين مخفية كذلك الرابطة العائلية.
النتيجة : تجد كافة العائلة نفسها تشتغل في مكان واحد، فيلا فاخرة وتنعم ببقايا ثراء لا مثيل له. ولكن سرعان ما تنفلت الأمور من أياديهم فتنقلب الأحداث و تسير نحو ما لا يحمد عقباه بسبب إزاحة من سبقهم وتأخذ القصّة شكلا من العنف يبلغ أقصاه في نهاية الفيلم.
طبعا هي حبكة درامية تفترض قدرة على الكتابة وضبطا محكما لتطور الحكاية التي تمر بمراحل عدة حسب تدرج ماكيافيلي إذ كان لا بد لأعضاء العائلة الفقيرة أن يخترعوا مناورة جديدة لإقناع أسيادهم بضرورة تشغيل العضو اللاحق، ثم أن يعملوا على اكتساح مجال أوسع لسيطرتهم على الوضع وتعزيز مكاسبهم و اجتناب الهفوات خاصة بعد اكتشافهم وجود زوج المعينة السابقة في خفايا سرداب الفيلا والذي وجب التخلص منه.
طبعا تنكشف المكيدة بسبب تغيير مفاجئ في سير الأحداث، اذ يعدل أفراد العائلة الغنية عن قضاء يومهم في نزهة مقررة و يرجعون قبل الأوان فترتبك العائلة الفقيرة التي حسبت أنه يمكنها الإجتماع يومها والتمتع بالرفاهية والبذخ وتتحقق هكذا لحظةُ السعادة المنشودة، فتتسارع الأحداث في ضرب من الثريلر الذي ينتهي بمشهد عنيف مرعب.
هذا كلّه طبعا يمكن أن يؤدي بالعمل إلى صنف الأفلام المكتوبة أكثر من اللزوم وتسقط البناية تحت سقف السيناريو ويذوب الابداع في سيل البراعة الجارف، ولكن لم يحدث شئٌ من هذا القبيل بل سخّر دونغ جون هو مهارته لخدمة الفكرة الأساسية للشريط أي في مساءلة قوانين الصراع الطبقي وعيا منه بأنها لم تعد مطابقة للمنظومة التي رسمها ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي لا يزال الكثيرون يعتقدون أنها سارية المفعول.
فكان الإشتغال على الفضاء أساسيا لا من حيث عمودية الأعلى والأسفل فقط، وهي بُنية كلاسيكية نعرف كيف اشتغل عليها في عصره جان رونوار وغيره، ولكن بونغ جون هو أضاف عناصر أخرى في بنيته نذكر منها، دائما في سجل الفضاء، القرب الجغرافي وما يتبعه من مجهول، فالعائلتان تسكنان نفس الحي، أو هكذا يبدو، مما يسهّل الحركة، حركة الدخول والخروج، ثم يأتي الانعدام التام لمعرفة الناس ببعضهم البعض بالرغم من هذا القرب أو بسببه، فغباء الأغنياء لم يفرضه السيناريو بل هو معطى سوسيولوجي مرتبط بتطورات التركيبة المعاصرة لعلاقة الفقراء بالاغنياء وكيفية توزيعهم في الفضاء العام، فلم يتفطن ولو لحظة الأسياد بأن المعينة الجديدة هي أم المدرس المزعوم والفنانة المزعومة وزوجة السائق الجديد.
أما في البنية الدرامية، فقد أضاف بونغ جون هو رجوعَ العائلة إلى خضم الصراعات الإجتماعية كخلية تنظيمية لم يتفطن لها ماركس بل افترض انقراضها لتهيئة ارساء علاقات الإنتاج الجديدة. تعود العائلة في شكل العصابة ويعكس بالمناسبة المخرج التركيبة الكلاسيكية لأفلام العصابات حيث تتحول العصابة الى عائلة بينما تتحول هنا العائلة إلى عصابة.
فأهمية الفيلم الكبرى تكمن في طرح جديد لمسألة الاغتراب من ناحية وفي إعادة تركيب علاقة المسألة الإجتماعية بالاجناس السينمائية من ناحية أخرى. فبعد الحرب العالمية الثانية اتسعت الاجناس السينمائية كالوستارن والفيلم البوليسي والكوميديا الموسيقية لتحتوي أبعادا سوسيولوجية بحكم التحولات الاجتماعية التي عرفها العالم، ولكن في قضية الحال انقلبت المعادلة فاتسع الفيلم الإجتماعي ليشمل عناصر مختلفة من الأجناس السينمائية الأخرى، وكنا لاحظنا هذه النزعة لدى علاء الدين سليم وأيمن سيدي بو مدين كما يمكن ملاحظتها لدى ماتي ديوب وكليبر ماندوصا واللافت أنّ انقلاب المعادلة هذه جاء بالخصوص من بلاد الجنوب كسمة جديدة في مجرى تاريخ السينما.
ففيلم بونغ جون هو مزج بين الأمرين فاقترح في نفس الوقت إعادة قراءة مسألة الاغتراب في سياق الصراعات الإجتماعية الراهنة وتمكن من إيجاد الصيغة السينمائية المناسبة، مضيفا لبنة في تاريخ الفن السابع الذي لا يمكن أن يتقدم دون اقتراح صياغات شكلية جديدة مناسبة لقضايا عصره.